النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: ماكس فيبر
  • مشاركات: 1 :: المشاهدات: 3886


    1. #1
      عضو ماسي
      تاريخ التسجيل
      Sun Nov 2009
      الدولة
      EG
      المشاركات
      7,438

      Lightbulb ماكس فيبر

      Bookmark and Share

      ماكس فيبر



      ماكس فيبر ربما يكون أكثر المنظرين الاجتماعيين تأثيراً وشهرة. كان فيبر كاتباً غزير الإنتاج ومفكراً معقداً وفى حين ساهم ذلك في شهرته فإنه يجعل من الصعوبة تلخيص أعماله في فصل واحد. ليس علينا فقط أن نتناول كمية ضخمة من الأعمال التى أتنتجها فيبر وإنما علينا أيضاً أن نأخذ بعين الاعتبار الكتابات الأكثر ضخامة التى أتنتجها منتقدوه ومحللوه العديدين. ومما يجعل الأمر أكثر صعوبة أن فيبر لم يعرف فقط بتوجهه النظرى العام ولكن أيضاً بعدد من الأفكار المحددة والتي هى نفسها أنتجت كمية معتبرة من التحليل والنقد. مثلاً جزء كبير في علم اجتماع التنظيم يمكن إرجاعه إلى عمله عن البيروقراطية. أيضاً أفكاره عن البروتستانتية والرأسمالية أثارت جدلاًغير عادى. إن حجم وتنوع وتعقيد أعمال فيبر يجعل من الصعوبة بمكان تلخيصها إضافة إلى ذلك فإن تناقض فيبر وفشله أحياناً في أن يقول تحديداً ماذا يعنى فاقم من صعوبة المشكلة. لذلك وبالرغم من أن أعمال فيبر مثيرة وغنية بالأفكار فإنها تستعصى على التلخيص والتحليل البسيط .



      تتميز أعمال فيبر بالتنوع كما أنها كانت عرضة للعديد من التفاسير التى أثرت على عدد كبير من نظريات علم الاجتماع. من المؤكد أنه كان لها تأثيرا على البنائية الوظيفية خاصة عن طريق أعمال تالكوت بارسونز. في السنوات الأخيرة بدأت أعماله تكتسب أهمية لدى التقليد النظرى للصراع وللنظرية النقدية التى تشكلت في الغالب بأعمال فيبر مثلما تشكلت بأعمال ماركس. التفاعليون الرمزيون تأثروا بأفكار فيبر عن "الفهم "كما تأثروا بأفكاره الأخرى. الفرد شوتز والذي سنتناوله في فصل قادم تأثر بشدة بأعمال فيبر عن المعنى والدوافع وهو بدوره لعب دوراً أساسياً في تطور علم الاجتماع الظاهراتى و الإثنوميثودولوجى. لقد كان فيبر وسوف يظل منظرا واسع التأثير .



      سنبدأ هذا الفصل بمناقشة أفكار فيبر حول منهج العلوم الاجتماعية وذلك لأن الفهم الواضح لهذه الأفكار ضروري لتناول أفكار فيبر الملموسة والنظرية. كان فيبر معارضاً للتنظير المجرد الصرف. كانت أفكاره النظرية متضمنة في أبحاثه الميدانية ذات الطابع التاريخي. شكل منهج فيبر أبحاثه والاتحاد بينهما- المنهج والأبحاث – بشكل أساسي توجهه النظرى .




      المنــــــــهج


      التــــــاريخ وعلم الاجتمـــــاع

      لتناول منهج فيبر يجب علينا أولاً توضيح أفكاره عن العلاقة بين التاريخ و علم الاجتماع. بالرغم من أن فيبر كان طالب قانون وأول وظيفة أكاديمية له كانت قانونية لكن الاهتمام بالتاريخ سيطر عليه منذ بداية حياته الأكاديمية. في الحقيقة كانت أطروحته للدكتوراه دراسات تاريخية عن القرون الوسطى وروما. لكن في سنواته الأخيرة بدأ يحدد أكثر وأكثر هويته كعالم اجتماع، ولقد ذكر أنه في عام 1909 عندما بدأ فيبر كتابة عمله الضخم " الاقتصاد و المجتمع " عند ذلك وهب نفسه بالكامل لعلم الاجتماع .

      مع تحول فيبر أكثر وأكثر في اتجاه علم الاجتماع الجديد نسبياً – في ذلك الوقت – حاول توضيح علاقته بعلم التاريخ الأكثر رسوخاً . بالرغم من أن فيبر شعر أن كل مجال بحاجة للآخر، كانت رؤيته أن مهمة علم الاجتماع هى توفير الخدمات الضرورية للتاريخ. فقد ذكر أن علم الاجتماع يؤدى فقط مهمة متوسطة. شرح فيبر الفرق بين التاريخ وعلم الاجتماع " يحاول علم الاجتماع صياغة مفاهيم نموذجية ونظم مهمة للعمليات الميدانية. هذا يميزه عن التاريخ الذى يتوجه نحو التوضيح والتحليل السببي لأفعال الفرد، البنيات والشخصيات التى لها أهمية ثقافية " [1]

      بالرغم من هذا التمييز الواضح جداً فإن فيبر استطاع الدمج بين الاثنين في أعماله. كان علم اجتماعه متجهاً نحو تطوير مفاهيم واضحة تمكنه من القيام بالتحليل السببي للظواهر التاريخية. يمكننا أن نعتبر فيبر عالم اجتماع تاريخي .



      تفكير فيبر عن علم الاجتماع تأثر بعمق بسلسلة من المجادلات الفكرية التى كانت محتدمة في ألمانيا في ذلك الوقت. أهم تلك المجادلات كانت حول العلاقة بين التاريخ والعلم. قطبا الجدل أولئك الذين يرون أن التاريخ يتكون من قوانين عامة و أولئك الذين يحصرون التاريخ في أفعال وحوادث فردية. المفكر التعميمي مثلاً، يعمم حول الثورة الاجتماعية في حين أن المحلل الفردي يركز على الأحداث المحددة التي قادت إلى الثورة الأمريكية. رفض فيبر وجهتي النظر وطور طريقة متميزة لتناول علم الاجتماع التاريخي. رفض الفكرة التى تقول أن التاريخ يتكون من سلسلة من الكيانات المتفردة التى لا تقبل أي نوع من التعميم "لا يعتبر الأفراد، المجتمعات، والأحداث كيانات متفردة وإنما ممثلين لفئة عامة وكل منها يمكن فهمه فقط بالرجوع إلى تلك الفئة العامة ".
      [2] بالرغم من أن فيبر يبدو و كأنه يفضل شيئاً من التعميم، فقد رفض أفكار أولئك المؤرخين الذين حاولوا حصر التاريخ في حزمة بسيطة من القوانين. فقد انتقد مثلاً أحد المؤرخين – وليم روشر – الذى عنى بالبحث عن قوانين التطور التاريخي للبشر والذي يعتقد أن كل البشر قد مروا بمراحل شبيهة متعاقبة. وعبر فيبر عن رفضه قائلا ً "إن اختزال الحقيقة الواقعية إلى قوانين لا معنى له "

      [3]. هذه الرؤية تنعكس في العديد من الدراسات التاريخية المحددة. في دراسته عن الحضارات القديمة مثلاً، أقر فيبر "أن التاريخ الطويل والمتواصل لحضارات البحر الأبيض المتوسط الأوروبية لا يوضح دوائر مغلقة أو تطور خطى. أحياناً نجد أن ظاهرة من الحضارات القديمة اختفت تماماً ثم عادت للظهور في إطار جديد. " [4]

      في رفضه لوجهات النظر المعارضة لعلماء التاريخ الألمان، أظهر فيبر طريقته الخاصة والتي تحتوى على دمج للتوجهين. اعتبر فيبر أن التاريخ ( علم الاجتماع التاريخي ) يهتم بالفردية والتعميم في آن واحد. تحقق هذا التوحيد من خلال تطوير واستخدام مفاهيم عامة ( والتي سنسميها لاحقاً " نماذج مثالية ") لدراسة أفراد، أحداث أو مجتمعات محددة. هذه المفاهيم العامة تستخدم " لتحديد وتعريف فردية كل تطور، المميزات التى تجعلنا نستنتج في طريقة مختلفة جداً إختلاف أحدهما من الآخر. بعد ذلك يمكن تحديد الأسباب التى قادت إلى الاختلاف. "
      [5] في القيام بمثل هذا التحليل السببي، رفض فيبر وبوعي فكرة البحث عن عامل سببي واحد خلال كل التاريخ. وبدلا ً عن ذلك استخدم مخزونه المفهومى لترتيب العوامل المختلفة المتضمنة في حاله تاريخية محدده حسب أهميتها السببية.

      رؤى فيبر عن علم الاجتماع التاريخي تشكلت جزئياً بوفرة المعلومات التاريخية الحقلية وبالتزامه بدراسة تلك المعلومات. كان جيله من العلماء هو الأول الذي أتيحت له معلومات موثوقة عن الظاهرة التاريخية من أجزاء مختلفة من العالم. كان فيبر أكثر ميلاً لإغراق نفسه في هذه المعلومات التاريخية بدلا ً عن الأحلام عن تعميمات مجردة عن المجرى الأساسي للتاريخ. بالرغم من أن ذلك قاده إلى بعض الأفكار الهامة لكن خلق مشاكل حقيقية في فهم أعماله، أحياناً يدخل في تفاصيل تاريخية تقوده إلى النظر إلى الأسباب الأساسية للدراسة التاريخية إضافة إلى ذلك فان مدى دراساته التاريخية يشمل العديد جداً من المراحل والعديد جداً من المجتمعات مما لم يمكّنه الا من ماهو أكثر قليلاً من التعميمات غير المصقولة. بالرغم من ذلك فإن التزامه بالدراسة العلمية للظواهر الميدانية هو الذي جعله جذاباً جداً في تطور مجال علم الاجتماع في الولايات المتحدة الأمريكية.
      م.ل




    2. #2
      عضو ماسي
      تاريخ التسجيل
      Sun Nov 2009
      الدولة
      EG
      المشاركات
      7,438

      افتراضي


      خلاصة، كان فيبر يعتقد أن التاريخ الاجتماعي مكون من عدد من الظواهر المستمرة. لدراسة هذه الظواهر يصبح من الضروري تطوير مفاهيم عديدة تعمم لفرض بعض النظام على اضطراب العالم الحقيقي. مهمة علم الاجتماع هى تطوير تلك المفاهيم و التى تستخدم بواسطة علم التاريخ في التحليل السببي للظواهر التاريخية المحددة. بهذه الطريقة حاول فيبر المزاوجة بين الخاص والعام في محاولة لتطوير علم يتعامل بعدل مع الطبيعة المعقدة للحياة الاجتماعية .




      الفـــــــهم الادراكــــــى "الفيرشتيهن"

      اعتبر فيبر أن عالم الاجتماع له ميزة على العالم الطبيعي تلك الميزة توجد في مقدرة عالم الاجتماع على فهم الظواهر الاجتماعية في حين أن العالم الطبيعي لا يمكنه الحصول على فهم مشابه عن سلوك الذرة أو العنصر الكيمائي. الكلمة الألمانية للفهم هي " فيرشتيهن" واستعمال فيبر الخاص للمصطلح "فيرشتيهن" واحد من أكثر مساهماته شهرة وإثارة للجدل في المنهج المعاصر لعلم الاجتماع. عندما نوضح ماذاعنى فيبر" بالفيرشتيهن" سنشير أيضا إلى بعض المشاكل المتعلقة بفهمه له. الخلاف المحيط بمفهوم أل"فيرشتيهن " وبعض المشاكل المتعلقة بماذا عني به فيبر نابعة من مشكلة عامة في أفكار فيبر المنهجية. وكما ذكر توماس بيرجر"1976" [6]
      لم يكن فيبر على دراية تامة ولم يكن منسجما في تصريحاته المنهجية . لقد مال أن يكون غير مهتم وغير دقيق بما أنه اعتبر نفسه ببساطة يعيد أفكاراً كانت معروفة جداً لدى علماء التاريخ الألمان في عصره. أكثر من ذلك فإن فيبر لم يفكر بعمق في الاعتبارات المنهجية ووصفها بأنها فقط "شروط للعمل الفكري المثمر " [7]

      أفكار فيبر عن ال" فيرشتيهن" معروفة نسبيا وسط المؤرخين الألمان في أيامه وهي مأخوذة من مجال يعرف بالتفسير التأويلي وهي طريقة خاصة لفهم وتفسير النصوص المنشورة هدفها فهم قصد الكاتب وكذلك البنية الأساسية للنص. فيبر وأخرون حاولوا توسيع هذه الفكرة من فهم النصوص إلى فهم الحياة الاجتماعية. "عندما ندرك أن المنهج التاريخي ليس أكثر ولا أقل من المنهج التقليدي في التفسير مطبق على الفعل الملاحظ بدلا عن النص, منهج يهدف إلى تحديد تصور إنساني "معنى" لما وراء الأحداث الملاحظة لن تكون لدينا صعوبة في تقبل أنه يمكن أن يطبق على التفاعل الإنساني والفاعل الفرد. حسب هذه الرؤية، كل التاريخ تفاعل يجب أن يفسر على ضوء الخطط المتنافسة للفاعلين العديدين "

      [8] بمعنى آخر فان فيبر حاول استخدام أدوات التفسير ألتا ويلي من أجل أن يفهم الفاعلين, التفاعل وبالتأكيد كل التاريخ الإنساني.



      إحدى الأفكار العامة والخاطئة عن ال" فيرشتيهن " أنه ببساطة استعمال الحدس بواسطة الباحث. إن العديد من المنتقدين اعتبروه منهج بحث ناعم غير عقلاني وذاتي، لكن فيبر رفض فكرة أن ال " فيرشتيهن " يتضمن ببساطة استعمال الحدس، المشاركة المتعاطفة أو التقمص العاطفي. بالنسبة له ال" فيرشتيهن " يتضمن البحث المنظم والصارم وليس ببساطة تكوين إحساس عن النص أو الظاهرة الاجتماعية. بمعنى آخر ، بالنسبة لفيبر فإن ال" فيرشتيهن " منهج عقلاني للبحث والدراسة.

      السؤال الأساسي في تفسير مفهوم فيبر عن ال " فيرشتيهن " هو هل يرى أنه من المناسب تطبيقه على الأحوال الذاتية للفاعل الفرد أم على الجوانب الذاتية لوحدات التحليل الكبرى – الثقافة مثلاً . يمكننا إيجاد جوانب من كتابات فيبر تدعم الخيارين وهنالك مؤيدون وسط مفسري فيبر للاتجاهين . إذا نظرنا إلى مقولات فيبر المجردة، يبدو أن هنالك دليلاً ساحقاً بجانب المستوى الفردي لتفسير ال " فيرشتيهن ". وهذا التفسير يدعمه عدد من الملاحظين .



      من جانب آخر، هناك عدد من الناس فسر ال" فيرشتيهن " ومقولات فيبر عنه كطريقة تهدف إلى فهم الثقافة. يرى لاخمان " أن عناصر الخطة التى تهمنا ليست أهداف ملايين الأفراد التى يسعى لتحقيقها، وإنما العناصر العامة للمعايير، المؤسسات والبيئة العامة التى يجب أن تنجز فيها تلك الخطط "

      [9] . في نفس هذا الخط رأى كل من رينكمان



      [10] [11] ال " فيرشتيهن " كأداة لتعلم لغة وثقافة أي مجتمع. ولقد وقف واكس ليس فقط مع المستوى الأوسع لتفسير ال " فيرشتيهن " وإنما ضد التوجه الفردي. استعمل واكس مفهوم " الحدس الشخصي التبادلي " ليعنى الرؤية الفردية. و بالنسبة له لم يقصد فيبر أن نستخدم ال" فيرشتيهن " لفهم الفاعلين، وإنما نستخدمه لفهم الثقافة الكبرى التى فيها يوجد الفاعلين والتي تقيد أفكارهم وأفعالهم. أخيراً, فإن البعض يرى أن ال " فيرشتيهن " يتضمن المدخلين. ب- أ مونش


      [12] ذكر أنه من أجل الفهم الكامل للفعل يجب علينا أولا تحديد معنى الفعل كما قصده الفاعل ثم ثانيا، معرفة الإطار الذى يحدث فيه الفعل ويكون له معنى .



      التفسيرات المتعددة " للفيرشتيهن " تساعدنا لنرى لماذا يحتل فيبر هذا الدور الأساسي في نظرية علم الاجتماع. تفسير المستوى الثقافي ل "الفيرشتيهن " يكون منسجماً مع النظريات الكبرى ( البنائية الوظيفية مثلاً )، في حين التفسير على المستوى الفردي يناسب النظريات الصغرى ( التفاعلية الرمزية مثلاً ) وموقف مونش التوفيقى يكون مناسبا ً للنوعين من النظريات. ما هو التفسير الصحيح من هذه التفسيرات الثلاثة ؟ يمكننا القول أن هذا لا يهم. ما هو مهم أن هناك تفسيرات مختلفة أثرت في مختلف التوجهات النظرية. لكن في مستوى آخر علينا أن نصل إلى خلاصة عن ال " فيرشتيهن " على أساس كتابات فيبر، لكننا لن نتمكن من ذلك ما لم نحلل علم اجتماع فيبر الملموس. ففي كتاباته الملموسة وليس في مقولاته عن المنهج سنجد المعلومات التى يعتمد عليها لفهم ماذا عنى فيبر حقيقة ب " الفيرشتيهن " وبالأدوات المنهجية الأخرى التى ستقابلنا .




      الســـــــــــــببية

      لابد من أن نشير باختصار هنا إلى جانب آخر من منهج فيبر – التزامه بدراسة السببية والتعليل. كان فيبر ميالاً إلى أن يرى دراسة أسباب الظواهر الاجتماعية ضمن مجال التاريخ وليس علم الاجتماع. مع تلك الدرجة التى يمكن الفصل فيها بين علم الاجتماع والتاريخ – وهما غير منفصلين في كتابات فيبر الملموسة – فإن موضوع السببية له علاقة بعلم الاجتماع. السببية مهمة أيضاً لأنها وكما سنرى في موقع آخر حاول فيها فيبر المزاوجة بين منهجي التعليل العام والفردي .

      بالسببية يعنى فيبر ببساطة الاحتمال أن الحدث يتبعه أو يصاحبه حدث آخر. وحسب رؤيته ليس كافياً البحث عن الثوابت،التكرارات أو المتوازيات التاريخية كما يفعل العديد من المؤرخين وبدلاً عن ذلك على الباحث أن ينظر إلى أسباب مثلما ينظر إلى مدلولات التغيرات التاريخية. بالرغم من أن فيبر اعتبر صاحب نموذج في السببية يتميز بالاتجاه الواحد – في مقارنة مع نموذج ماركس في التعليل الجدلي – ففي علم اجتماعه الملموس كان دائماً يناغم العلاقات بين الاقتصاد، المجتمع، السياسة، التنظيم، التراتب الاجتماعي، الدين ….الخ.



      كان فيبر واضحاً دائماً حول موضوع التعليل المتعدد في دراسته عن العلاقة بين البروتستانتية والروح الرأسمالية. بالرغم من أنه فسر أحياناً بشكل مختلف فقد ذكر فيبر ببساطة أن الأخلاق البروتستانتية " واحد" من العوامل السببية التى أدت إلى نشوء الروح الرأسمالية الحديثة. وقد وصف بالغباء الفكرة التى تقول أن البروتستانتية هى السبب الأوحد.



      كما وصف فيبر بالغباء أيضاً الفكرة التى تقول أنه ما كان للرأسمالية أن تنشأ من دون " الإصلاحات البروتستانتية " لأن عوامل أخرى كان من الممكن أن تؤدى إلى نفس النتيجة. فيما يلي الطريقة التى عرض فيها فيبر رؤيته " علينا قدر الإمكان توضيح الطريقة والاتجاه العام الذى أثرت به الحركات الدينية في نشوء الثقافة المادية. عندما يتحدد هذا وبصحة معقولة يمكننا القيام بتحديد إلى أي مدى يمكن نسب التطورات التاريخية للثقافة الحديثة إلى تلك القوى الدينية والى أي مدى يمكن نسب ذلك إلى قوى أخرى "

      [13] في ( الأخلاق البروتستانتية والروح الرأسمالية ) كما في معظم أعماله التاريخية الأخرى، كان فيبر مهتماً بموضوع السببية، لكنه لم يعمل بنموذج ذي اتجاه واحد وكان دائماً يبحث في العلاقات بين عدد من العوامل الاجتماعية.



      الشيء المهم الذي يجب تذكره عن أفكار فيبر عن السببية هو اعتقاده الذى يقول، لانه بإمكاننا الحصول على فهم خاص عن الحياة الاجتماعية أل" فيرشتيهن " فإن المعرفة التعليلية للعلوم الاجتماعية تختلف عن المعرفة التعليلية للعلوم الطبيعية. وقد أوضح فيبر ذلك عندما ذكر أن "التفسير الذى له معنى للسلوك الإنساني " الفعل " يعرف بالرجوع إلى (التقييم) والمعاني. لهذا السبب فإن معيارنا للتفسير التسبيبى له نوع متفرد من الإقناع ضمن التفسير التاريخي لذلك النوع من الوجود "
      [14] لذلك فان المعرفة التعليلية للعالم الاجتماعي مختلفة عن المعرفة التعليلية للعالم الطبيعي وافضل منها.

      أفكار فيبر عن السببية ذات علاقة بمحاولاته السيطرة على الصراع بين المعرفة العامة والمعرفة الفردية.



      الذين يأخذون بوجهة النظر العامة سيقولون أن هناك علاقة ضرورية بين الظواهر الاجتماعية، في حين أن مؤيدي الاتجاه الفردي يميلون إلى رؤية علاقة عرضية بين تلك الكينونات. كالعادة اتخذ فيبر موقعاً وسطاً كما يدل على ذلك مفهومه عن " الإمكانية الموضوعية "

      . ومفهوم " الإمكانية الموضوعية " يأخذ بوجهة النظر التى تقول أن افضل ما يمكن القيام به في علم الاجتماع هو إعداد مقولات احتمالية عن العلاقة بين الظواهر الاجتماعية، ذلك إذا حدث x فإنه من المحتمل أن تحدث y .




      النمــــــــاذج المثاليــــــة

      النماذج المثالية واحدة من أكثر مساهمات فيبر في علم الاجتماع المعاصر شهرة. كما رأينا كان فيبر يعتقد أن مسئولية علماء الاجتماع تطوير أدوات مفهومية يمكن استخدامها لاحقاً بواسطة المؤرخين. أكثر هذه الأدوات المفهومية أهمية هو النموذج المثالي. لكن هنالك مشكلة في تعريف النموذج المثالي لان فيبر لم يكن متسقاً تماماً في الطريقة التى استخدم بها المصطلح. ولنحصل على فهم لما يعنيه المفهوم سنتغاضى عن بعض عدم الاتساق. على المستوى الأساسي " النموذج المثالي " مفهوم يبنيه العالم الاجتماعي للإحاطة بالمعالم الأساسية للظاهرة الاجتماعية. مثلا ً ، المعركة العسكرية النموذجية المثالية. تحدد المكونات الأساسية لتلك المعركة مثل الجيوش المتحاربة، الاستراتيجيات المتعارضة، الأرض المتنازع عليها، قوى الإمداد والدعم مراكز القيادة وخواص القيادة. المعارك الحقيقية قد لا تحتوي على كل تلك العناصر وهذا أحد الأشياء التي يود أن يعرفها الباحث.



      الموضوع الأساسي هنا هو أن عناصر أي معركة عسكرية معينة يمكن مقارنتها مع العناصر التي حددت في النموذج المثالي.



      حسب رؤية فيبر، النموذج المثالي يستمد استنتاجاً من العالم الحقيقي للتاريخ الاجتماعي. لم يكن فيبر يعتقد أنه يكفي تقديم حزم مفاهيم معّرفة بعناية، خاصة إذا كانت قد استمدت استنتاجاً من نظرية مجردة. المفهوم يجب أن يكون ملائماً تجريبيا.ً لذلك فمن أجل إنتاج نماذج مثالية على الباحثين أولاً أن يغوصوا في الواقع التاريخي ثم يستمدوا النماذج من ذلك الواقع.



      وفق محاولات فيبر لإيجاد منطقة وسطي بين المعرفة العامة و الفردية، فقد ذكر أن النموذج المثالي يجب ألا يكون عاماً جداً ولا محدداً جداً . في حالة الدين مثلاً، فقد رفض النماذج المثالية لتاريخ الأديان بشكل عام كما أنه عارض النماذج المثالية عن الظواهر المحددة جداً مثل الخبرة الدينية للفرد. إنما تطوّر النماذج المثالية عن ظواهر متوسطة مثل الكالفينية ، البيتسمية ، الميثدوسمية والبابتسمية. بالرغم من أن النماذج المثالية تستمد من العالم الحقيقي فإنها ليست مرايا عاكسة لذلك العالم، وإنما يجب أن تكون مضخمات وحيدة الجانب لما يجري في العالم الحقيقي. يري فيبر أن النموذج المثالي كلما كان مضخما ، كلما كان مفيداً للبحث التاريخي.



      إن استخدام كلمة (مثالي) يجب أن لا تفسر لتعنى أن المفهوم الموصوف هو الأفضل. فكما استعمله فيبر، يعني المصطلح أن الشكل الموصوف في المفهوم نادرٌ إذا أمكن وجوده في العالم الحقيقي. في الحقيقية، فقد ذكر فيبر أن النموذج المثالي لا يحتاج أن يكون إيجابياً أو صحيحا،ً ويمكن بكل سهولة أن يكون سلبياً أو حتى ممقوتا أخلاقيا. النماذج المثالية يجب أن يكون لها معني على مستوي المدلول. ذلك إنها يجب أن يكون لها معني في ذاتها وأن تساعدنا في إيجاد معني للعالم الحقيقي. بالرغم أننا قد نعتقد أن النماذج المثالية تصف كينونات جامدة يعتقد فيبر إنها يمكن أن تكون جامدة أو حيوية. لذلك يمكن أن يكون لدينا نموذجاً مثالياً عن بنية مثل البيروقراطية أو تطور اجتماعي مثل انتشار البيروقراطية. النماذج المثالية لا تطوّر مرة واحدة والي الأبد. بما أن المجتمع يتغير باستمرار فمن الضروري تطوير نماذج جديدة لتناسب الواقع المتغير. هذا ينسجم مع رؤية فيبر انه في العلوم الاجتماعية لا توجد مفاهيم سرمدية.



      الشيء الأكثر أهمية والذي يجب أن يؤخذ في الاعتبار عن النماذج المثالية إنها عبارة عن أدوات مساعدة، فهى مفيدة وتساعد في البحث الميداني. وكما قال لاخمان

      [15] أن النموذج المثالي "هو في الأساس عصا للقياس" وقد وصفه فيبر كما يلي "إن وظيفته هي المقارنة مع الواقع الميداني من أجل تحديد انحرافاته أو تماثله لوصفها بأكثر المفاهيم وضوحاً وسهولة للفهم وتوضيحهما وفهمها تعليلياً" [16] .
      النماذج المثالية هي أدوات مساعدة تستخدم لدراسة شرائح الواقع التاريخي. مثال ذلك أن العلماء الاجتماعيين يبنون نموذجاً مثالياً للبيروقراطية على أساس غوصهم في المعلومات التاريخية. هذا النموذج المثالي يمكن مقارنته مع البيروقراطية في الواقع.



    ضوابط المشاركة

    • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
    • لا تستطيع الرد على المواضيع
    • لا تستطيع إرفاق ملفات
    • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
    •