وهذا الإنسان الذي يقترن عنده الفكر الفاضل بالفعل الفاضل هو الذي يترفّع في حالات الشدّة، كما في حالات الرخاء، (إن الرجل الفاضل حقّاً والعاقل يتحمّل كل تقلبات الحظّ بهدوء ويستفيد من الظروف ابتغاء أن يفعل بأكبر قدر ممكن من النبل)[4].


إنسان القيم الأخلاقية عند أرسطو لا يكفي أن يمتاز بالمعرفة كما هي الحال عند سقراط، بل يجب أن تتجسّد أفكاره الفاضلة في أفعال فاضلة، وأن تكون الأفعال الفاضلة سمة عامة له في كل الأحوال، ومهما قست الظروف، لأن منهج الإنسان الفاضل يجب أن يلازمه في كل الأحوال والظروف، وليس من الجائز أن يكون التزام منهج الفضيلة موسمياً، أو مرتبطاً بظروف وأحداث.


ينتقل أرسطو بعد ذلك إلى الحديث عن قيمة النفس، وأهميتها في حصول الفضائل، فالفضيلة، وهي أمر خاص بالإنسان ـ ترتبط بالجزء المميّز له عن سائر المخلوقات ألا وهو النفس العاقلة. وبذلك يعود أرسطو إلى التقارب مع موقف أستاذه أفلاطون فتصبح القاعدة عنده: إن الإنسان بنفسه وليس ببدنه. ولذلك يصرّح قائلاً: (لست أعني بالفضيلة الإنسية فضيلة الجسد، بل فضيلة النفس. ونحن نقول إن السعادة أفضل للنفس. فواجب على صاحب تدبير المدن أن ينظر في أمر تدبير النفس... وأن يعلم أحوال النفس كيف هي)[5].


فالفضيلة الإنسية أمر ضروري للفرد وللجماعة، وهي تعتمد بشكل أساسي على ما تدبّره لها النفس العاقلة وبذلك تصبح السعادة التي هي غاية فعل الخير، هي السعادة النفسية، وليست السعادة عند أرسطو بتلبية رغبات الجسد وملذاته. على هذا الأساس تكون الفضائل والقيم الأخلاقية أموراً تتعلّق بنتائج أفعال النفس العاقلة في كل حالاتها سواء أكانت هذه الفضائل مرتبطة بالوصول إلى الحكمة والفلسفة، أم إلى فلسفة أخلاقية سليمة، فالفضائل الفكرية عند أرسطو تتمحور حول الحكمة والفهم والعقل، والفضائل الخلقية تتمحور حول الحريّة والعفّة.
وإذا ما توقفنا عند الفضائل ـ وهي موضوع حديثنا ـ نرى أن الحرية تبدأ بالتحرّر من القيود الماديّة والحسّية التي قد تمنع النفس عن التحليق عالياً، وبعيداً عن متطلبات الجسد. والعفّة تؤدي الغرض نفسه؛ أي الترفّع فوق الصغائر، وفوق ما يدنّس سمة الفضيلة بالدناءة التي هي عكس العفة، وفي كل الأحوال الفضائل الخلقية بهذا المعنى هي شوق نفسي إلى المثل العليا، وتمرّد على الجسد والهوى.



هذا الجانب النظري في الفضيلة عند أرسطو ليس مشابهاً لما عند سقراط أو افلاطون؛ أي أنه أمر تعرفه النفس بالفطرة، أو قد عرفته من حياتها السابقة في عالم المثل، عالم الحقائق بالذات. فالنفس عند أرسطو ليس لها حياة سابقة قبل أن تحلّ في البدن، وإنما وجدت عندما أصبح هناك بدن جاهز لاستقبالها، وبذلك تكون القيم الأخلاقية الموصلة إلى الخير والسعادة عبر الأعمال الفاضلة غير متأتّية من أمور سابقة تكمن في ضمير الإنسان وفكره، وإنما هي أمور مكتسبة ـ خاصة من الممارسة ـ فمن تعوّد وتدرّب على ممارسة الأعمال الفاضلة أصبح عنده ثوابت وقيم لفلسفة أخلاقية فاضلة.


كأنّي بأرسطو يقدّم ـ وفق مفهومه هذا ـ العمل والتطبيق على القول والنظر، ويظهر ذلك في قوله: (أما الفضائل فإنّا نكتسبها إذا استعملناه أولاً، كالحال في سائر الصناعات، لأن الاشياء التي ينبغي أن نعملها إذا تعلمناها، هنا إذا عملناها تعلّمناها، مثال ذلك إذا بنينا صرنا بنّائين، وإذا ضربنا العود صرنا ضرّابين للعود، وإذا فعلنا أمور العدل صرنا عادلين، وإذا فعلنا أمور العفّة صرنا أعفّاء، وإذا فعلنا أمور الشجاعة صرنا شجعاء)[6].


الأخلاق عند أرسطو إذن ليست علماً نظرياً يتعلّق بالظواهر الأخلاقية، وإنما يتصف الإنسان بالفضيلة إذا مارسها، والمعرفة وحدها غير كافية في هذا الباب، وهذا الأمر هو الذي دفع أرسطو لإضافة الأخلاق إلى موضوعات ومباحث الفلسفة العملية.


والفضيلة عنده ليست إسرافاً في قمع الجسد لصالح النفس، وليست ميلاً كليّاً إلى اللذات الحسّية والمنفعة الخاصة. فالإفراط والتفريط فيهما خروج عن طريق الفضيلة، والإقلال أو الإكثار لا يوصلان إلى السعادة. الفضيلة هي توسّط واعتدال.


الفضيلة هي ضبط للانفعالات لتحقيق الاتّزان، وضبط للأفعال لتحقيق الاعتدال، والأمران معاً يؤديان إلى الوسطية. إن (الفضيلة لها علاقة بالانفعالات، والأفعال التي فيها الزيادة خطأ، والنقصان موضوع للذّمّ، بينما الوسط موضوع للمدح والنجاح... فالفضيلة إذن نوع من التوسّط، بمعنى أنها تستهدف الوسط)[7].



منقول